الآلوسي

129

تفسير الآلوسي

لفخامتها ، والمراد منها السلامة - كما قاله ابن عباس - أو الثبات على الإيمان وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم - كما قاله الزجاج - أو إذلالهم أعداء الله تعالى على بعد كما قيل ، أو مجموع هذه الأمور على ما نقول * ( وفَضَلْ ) * وهو الربح في التجارة ، فقد روى البيهقي عن ابن عباس أن عيراً مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل . وأخرج ابن جرير عن السدي قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج في غزوة بدر الصغرى ببدر أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم فأصابوا تجارة ، وعن مجاهد الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر * ( لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) * أي لم يصبهم قتل - وهو المروي عن السدي - أو لم يؤذهم أحد - وهو المروي عن الحبر - والجملة في موضع النصب على الحال من فاعل - انقلبوا - أو من المستكن في * ( بنعمة ) * إذا كان حالاً والمعنى فانقلبوا منعمين مبرئين من السوء ، والجملة الحالية إذا كان فعلها مضارعاً منفياً بلم وفيها ضمير ذي الحال جاز فيها دخول الواو وعدمه * ( واتَّبَعُواْ ) * عطف على - انقلبوا - وقيل : حال من ضميره بتقدير قد أي وقد اتبعوا في كل ما أوتوا ، أو في الخروج إلى لقاء العدو * ( رَضْوَانَ الله ) * الذي هو مناط كل خير . * ( واللَّهُ ذُو فَضْل عَظيم ) * حيث تفضل عليهم بما تفضل ، وفيما تقدم مع تذييله بهذه الآية المشتملة على الاسم الكريم الجامع وإسناد * ( ذو فضل ) * إليه ووصف الفضل بالعظم إيذان بأن المتخلفين فوتوا على أنفسهم أمراً عظيماً لا يكتنه كنهه وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسراً ليس بعده . * ( إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * . * ( إنَّمَا ذَلكُمُ ) * الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة ، والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ ، وقوله : * ( الشَّيْطَانُ ) * بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة خبره على التشبيه البليغ ، وقوله تعالى : * ( يُخَوِّفُ أوْلَيَاءَهُ ) * جملة مستأنفة مبينة لشيطنته ، أو حال كما في قوله تعالى : * ( فتلك بيوتهم خاوية ) * ( النمل : 52 ) . ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه أيضاً ، ويحتمل أن يكون مجازاً حيث جعله هو ويخوف هو الخبر ، وجوز أن يكون ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بدّ حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان ، والمراد به إبليس أيضاً ولا تجوز فيه على الصحيح ، وإنما التجوز في الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله ، والمستكن في * ( يخوف ) * إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف به ، والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه ، فالمفعول الأول ليخوف محذوف أي يخوفكم أولياءه بأن يعظمهم في قلوبكم ، ونظير ذلك قوله تعالى : * ( لينذر بأساً شديداً ) * ( الكهف : 2 ) وبذكر هذا المفعول قرأ ابن عباس . وقرأ بعضهم ( يخوفكم بأوليائه ) ، وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين ، وإليه ذهب الزجاج وأبو علي الفارسي وغيرهما ، ويؤيده قوله تعالى : * ( فَلاَ تَخَافُوهُمْ ) * أي فلا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم * ( وَخَافُون ) * في مخالفة أمري ، وإما المتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولياءه هو المفعول الأول والمفعول الثاني إما متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف ، أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه ؛ وعلى هذا لا يصح عود ضمير * ( تخافوهم ) * إلى الأولياء بل هو راجع إلى * ( الناس ) * ( آل عمران : 173 ) الثاني كضمير - اخشوهم - فهو ردّ له أي فلا تخافوا الناس وتقعدوا عن القتال وتجبنوا وخافون فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى امتثال ما يأمركم به ، وإلى هذا الوجه ذهب الحسن والسدي ، وادعى الطيبي أن النظم يساعد عليه ، والخطاب حينئذ لفريقي الخارجين